يسمّيها المصورون الساعة الذهبية. تلك اللحظة التي تبدأ فيها الشمس بالانخفاض، ويصبح الضوء مائلًا على الواجهات، وتطول الظلال — أكثر ساعات اليوم بحثًا وجمالًا وهدوءًا.
لكن في تونس، خلال الصيف، قد تتزامن هذه اللحظة أيضًا مع انتقال من نوع آخر: يبدأ إنتاج الطاقة الشمسية في التراجع، بينما تبدأ استعمالات المساء المنزلية في الارتفاع — عودة الناس إلى بيوتهم، تشغيل المكيفات من جديد، إضاءة الغرف، وإعداد العشاء.
وهكذا، يمكن لأجمل ساعة في اليوم أن تصبح أيضًا واحدة من أكثر الساعات حساسية في توازننا الطاقي.
هذا التناقض ليس مجرد ملاحظة مرتبطة بالطقس. بل يكشف جانبًا لا تزال الممارسة المعمارية السكنية عندنا نادرًا ما تدمجه في التفكير بالمشروع: فشبكة الكهرباء، هي الأخرى، لها ساعاتها وحدودها ومواسمها.
لقد تعلّمنا أن نصمم انطلاقًا من مسار الشمس، واتجاه الرياح، والقصور الحراري للجدران. لكننا لم نتعلم بعد أن نصمم انطلاقًا من اللحظة التي قد تنقطع فيها الكهرباء.

إنه لَأمرٌ مثير للاستغراب؛ فالمبنى المصمم وفق مبادئ المناخ الحيوي (bioclimatic) قادرٌ بطبيعته على التكيف مع الظروف المناخية دون الاعتماد الكلي على الأنظمة الآلية. ومن ثم، ينبغي له -بالقدر نفسه- أن يكون قادراً على التعامل مع انقطاع الإمدادات دون الاعتماد الكلي على الشبكة؛ إذ لا يُعدُّ العطلُ أمراً طارئاً خارجياً عن نطاق المشروع.
وفي بلدٍ باتت تشهد فيه الشبكة ضغوطاً متكررة خلال فصل الصيف، أصبح احتمال انقطاع الخدمة عنصراً يُؤخذ في الحسبان تدريجياً عند التصميم، تماماً كعوامل التوجيه أو التهوية.

ثمة ثلاثة أمور غالباً ما يجري الخلط بينها: فالأداء يقيس ما يستهلكه المبنى، والاستقلالية تقيس ما يمكنه إنتاجه ذاتياً، أما الاستمرارية فتقيس ما يتبقى من تجربة السكن حين تنقطع الشبكة.
ويمكن للمرء أن يحظى بالأولى دون الثانية، أو بالثانية دون الثالثة؛ إذ قد تكون الفيلا مجهزة بألواح شمسية على سطحها، ومع ذلك تظل منزلاً ينطفئ بمجرد انقطاع الشبكة، لمجرد أن نظامها لم يُصمَّم أصلاً ليعمل بمعزل عنها.

يجب أن نكون صادقين بشأن ما يطرحه هذا النص؛ فالتفكير في استمرارية الطاقة منذ مرحلة التصميم الأولي، وتخصيص ميزانية لأنظمة التخزين، وتحديد أبعاد غرفة تقنية مخصصة، كلها خيارات مكلفة لا تتاح اليوم إلا لجزء محدود من المشاريع. وهذه ليست مجرد تفاصيل ثانوية يمكن تجاوزها بمجرد إضافة فقرة تتحدث عن مسؤولية الدولة.
والحقيقة أكثر إزعاجاً: في ظل الظروف الراهنة، لا تزال استمرارية الطاقة تُعدّ إلى حد كبير ترفاً، وتُعتبر العمارة الفاخرة اليوم أحد المجالات القليلة التي تتوفر فيها الإمكانيات لاختبار هذا المفهوم - قبل أن يصبح، ربما يوماً ما، مطلباً معتاداً لجميع المباني. قد نأسف لهذا الواقع، لكن لا يمكننا إنكاره. ومع ذلك، لا ينبغي لهذه التجربة الخاصة أن تتحول إلى ذريعة لتخلي القطاع العام عن مسؤولياته؛ فموثوقية الشبكة تظل مسؤولية جماعية وسياسية.

من الناحية العملية، يُغيّر هذا الأمر التسلسل الذي يُصاغ وفقه المشروع؛ فلم يعد السطح مجرد مساحة أخيرة تُغطى بالألواح بعد اعتماد المخطط النهائي، بل تحول إلى بنية أساسية تضاهي الواجهة في الأهمية. ولم تعد الغرفة التقنية مجرد حيز يُوارى خلف غرفة الغسيل، بل باتت تتطلب تحديداً دقيقاً للمساحة والتهوية وتفكيراً مسبقاً منذ مراحل الرسم الأولي للمخططات. كما كفت لوحة التوزيع الكهربائي عن كونها مجرد أداة لتوزيع التيار، لتصبح بمثابة "حَكَم" يقرر -في "الساعة الذهبية"- ما يظل مضاءً وما يمكن تأجيله.
إن أفضل المباني التي نزورها لا تلفت الأنظار وقت الظهيرة حين تعمل كل الأنظمة بكامل طاقتها، بل تبرز في "الساعة الذهبية"؛ حين يخفت الضوء ويتردد بقية الحي في أمره، إذ تظل تلك المباني ثابتة لا يتغير فيها شيء. ولعل هذا هو المعيار الحقيقي الوحيد للاستمرارية: ليس ما يعد به المبنى على الورق، بل ما يحدث فعلياً داخل الغرفة في اللحظة التي تضطرب فيها المدينة في الخارج.
ربما يكون هذا هو السؤال الذي يتعين على العمارة التونسية أن تتعلم طرحه منذ مرحلة التصميم الأولي: ليس فقط كيف نحد من الاستهلاك، بل كيف نحافظ على الجوانب الجوهرية والأساسية عند انقطاع الشبكة.